الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
190
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
واحتمل بعض المفسرين أن يكون المراد مشاهدة منظر عقاب إبراهيم ، لا الشهادة على كونه مجرما . غير أن الآيات المقبلة التي لها صبغة التحقيق والاستجواب تنفي هذا الاحتمال ، إضافة إلى أن التعبير ب " لعل " لا يناسب المعنى الثاني ، لأن الناس إذا حضروا ساحة العقاب فسيشاهدون ذلك المنظر حتما ، فلا معنى ل " لعل " . فنادى المنادون في نواحي المدينة : " ليحضر كل من يعلم بعداء إبراهيم وإهانته للأصنام " ، فاجتمع كل الذين كانوا يعلمون بالموضوع ، وكذلك سائر الناس ليروا أين ستصل عاقبة عمل هذا المتهم ؟ لقد حدثت ضجة وهمهمة عجيبة بين الناس ، لأن هذا العمل كان في نظرهم جريمة لم يسبق لها نظير من قبل شاب مثير للفتن والمتاعب ، وكانت قد هزت البناء الديني للناس . وأخيرا تشكلت المحكمة ، وكان زعماء القوم قد اجتمعوا هناك ، ويقول بعض المفسرين : أن نمرود نفسه كان مشرفا على هذه المحاكمة ، وأول سؤال وجهوه إلى إبراهيم ( عليه السلام ) هو أن : قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ هؤلاء لم يكونوا مستعدين حتى للقول : أأنت حطمت آلهتنا وجعلتها قطعا متناثرة ؟ بل قالوا فقط : أأنت فعلت بآلهتنا ذلك ؟ فأجابهم إبراهيم جوابا أفحمهم ، وجعلهم في حيرة لم يجدوا منها مخرجا قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون . إن من أسس علم معرفة الجرائم أن يكون المتهم بادية عليه آثار الجريمة ، والملاحظ هنا أن آثار الجريمة كانت بادية على يد الصنم الكبير ، [ وفقا للرواية المعروفة : إن إبراهيم جعل الفأس على رقبة الصنم الكبير ] . لماذا تأتون إلي ؟ ولماذا لا تتهمون إلهكم الكبير ؟ ألا تحتملون أنه غضب على الآلهة الصغيرة ، أو إنه اعتبرهم منافسيه في المستقبل فعاقبهم ؟